انه
يرن ، انه لا يتوقف عن الرنين !
انكمش
على نفسى و اضم ساقاى الى صدرى و ادفن وجهى بهذا الفراغ الضيق ، احاول رفع ساعداى
لأغطى بهما اذناى ،
انه
يرن ، لا زال صوت الرنين يصدع بالمكان ،
قلتُ
بنبرة مرتجفة :
"
ارجوك لا .. لا ارجوك كفى "
يصمت
اخيرًا لأتنفس بِعمق ، انفاس مضطربة و نظرات زائغة .. و ضربات قلب تكاد تصم اذناى
و
ضوء شاحب من المصباح الهزيل المعلق ، يتدلى من السقف بسلكٍ رفيع ذى لون رمادىّ ..
يتأرجح كلما هبَّ القليل من الهواء من النافذة المربعة الصغيرة بأعلى الحائط
المقابل للباب ،
اخيرًا
استطعت استعادة السيطرة على انتظام انفاسى ، لأنظر للهاتف بتوجس و انأى بنفسى
بعيدًا عنه قليلًا ، انكمش على نفسى اكثر و عيناى قد امتلئت بالدموع الخائفة ، و
نظرة غير مستقرة لا زالت تعلو وجهى بعد ،
"
لن يأتى احد ، لن يأتى احد "
زفرت
بقوة و اغمضت عيناى اكثر ،
..
انظر
لزوجتى الحبيبة و هى واقفة امام الموقد الأنيق ، الموقد الذى دفعت به ثروة فقط
لأنها رأته عند زوجة اخيها ، لا يهم .. كله من اجلها ، قلت مستنداً برأسى لظهر
المقعد :
"
انا جائع "
{
انتظر عزيزى اوشك الطعام على ان يجهز }
إبتسمت
و انا انتوى مشاكستها ، كم احب مشاكستها حتى اغضبها فتركض خلفى بأنحاء المنزل
بأكمله ، و اختبئ انا بركنٍ ما انتظرها ان تمر لأقوم بإعتراض طريقها و ساعدى يصطدم
بوسطها لأحملها فى حركة مفائجة ، لتصرخ هى بمرح صاخب .. قطع تخيلاتى الصوت المميز
لوضع الاطباق الخزفية على الطاولة ذات السطح الزجاجى ،
نظرت
لها و قلت بعبث :
"
انا جائع "
جلست
هى امامى و لمست شفتيها بإصبعها السبابة
{
ها هو الطعام }
لا
زلت اجلس بنفس الوضعية استند بذقنى لظهر المقعد و اقول بنبرة مواربة :
"
هل سآكل وحدى ؟ "
تضحك
بدلال و تبدء بإطعامى .. زوجتى الحبيبة هذا ما اسعى له من البداية !
..
{
لحظة عزيزى سأجيب الهاتف }
امسك
بيدها و اجذبها معى لتجلس الى جوارى على الاريكة و قلت :
"
دعيه يرن "
تتملص
هى من يدى بنعومة
{
سأجيب }
راقبتها
تذهب و عدت اولى اهتمامًا للتلفاز اقلب بقنواته الى ان توقفت عند قناة المصارعة
الحرّة ، فجلست و قد اشعلت لفافة تبغى لأشجع مصارعى المفضل دائمًا و ابدًا .. اندر
تيكر ..
قلت
:
"
ايها العزيز ان كنت ببلادك ما كنت ضيعت حضور مبارياتك قط "
و
عدت لأنفث الدخان ، انتهت المبارة و شعرت بالملل و اغلقت التلفاز و ناديت عليها
"
عزيزتى اين انتِ ؟ "
لا
اجابة فإبتسمت بمكرٍ و صعدت الى الغرفة لأجدها كما توقعت مستلقية على الفراش على
جانبها الأيمن و شعرها الفاحم يغطى جانب وجهها بنعومة ،
"
لقد جـئت "
قلتها
بنبرة ذات نهايات مطولة و إبتسامة ماكرة و انا اصعد بركبتىّ على الفراش ،
..
"
لااااااااااااااا "
(
إهدء من فضلك إهدء )
ادفع
من امامى بحدة ، بقوة و انا اصيح بإهتياج
"
دعونى ، دعونى اذهب انه يرن ّ انه آت "
صوت
رنين الهاتف يكاد يفجر رأسى ، و يوقف قلبى من الفزع و انا اركل من اركل و الكم من
الكم ، و اقاوم و اُعمِل اطرافى الأربعة في من امامى ، من يمنعنى عن الباب
خيط
رفيع من الضوء هو ما يعبر من فتحة الباب لأصرخ انا متراجعًا :
"
لقد جاؤا انهم يحرقون المكان .. اخرجونى من هنا .. اخرجونى من هنا "
(
دعوه و اخرجوا )
اصيح
بذعر عارم :
"
لا رجاءً لا تفتحوا الباب "
اتمسك
بتلابيب ثياب احدهم و اصرخ و الذعر يبلغ منى مبلغه ،
لكنهم
يفتحوه رغم كل شئ ، النيران تأكل كل شئ
بالخارج .. اصرخ و انا اتراجع لألتصق
بالحائط و احاول تسلقه و الوصول للنافذة المربعة الصغيرة متشبهًا بفأرٍ مذعُور ،
اخمش
الحائط و انا لا اتحرك من مكانى ، النيران تقترب و الرنين يرتفع ،
و
صوت استغاثتى يرتفع ولا من مغيث .. سأمُوت انا سأموت كما ماتت زوجتى ، دون ان يشعر
احد بهذا
كما
ماتت زوجتى و مات آخرون !
..
الرنين
، اغطى اذناي بساعدى و انا اشعر اننى منهك القوى ،
انهم
سيأتون من اجلى ، سيأتون من اجلى يا الهى انجدنى منهم .. ارتجف بمكانى كورقة شجر فى مواجهة عاصفة
هوجاء و اغمض عيناى بقوة ،
و
كأننى بهذا سأبعدهم عنى ..
(
اجب الهاتف )
انظر
بتملل لزميلى بالعمل و قلت بإقتضاب :
"
لدى عمل كثير اجبه انت "
(
لكنك الاقرب ! )
اتجاهله
تمامًا و اتابع ما افعله ، كنت اعلم انه لن يأتى سوى بتلك الطريقة ، لقد اجاب الهاتف كما اردت انا تمامًا
ادير
الخاتم بإصبعى بشرود ثم اترك عليه قبلة صغيرة و اتنهد بقوة لأتابع ما افعله ،
"
يا رجل اتصل لى بمكتب مساعد المدير احتاج المزيد من التوريدات "
لا
يجيبنى هل يتبع معى نفس المنهج ! التفت ادير مقعدى لأنظر له و قلت بسخرية :
"
وقت النوم هو ؟ "
نهضت
من مكانى لأتجه نحوه و هو جالس على مقعد مكتبه و رأسه و وجهه مختفيين بين ساعده و
المكتب
نغزته
بطرف القلم بيدى بكتفه و قلت :
"
العمل لن ينتظرك ! "
قلتها
ثم ازحته قليلا فى إجبار على النهوض .
..
"
لا النيران .. النيران تحرقنى .. النجدة
" "
اتراجع
اكثر التصق بالحائط و انا اتمرغ عليه بجسدى فى محاولة لأطفاء تلك النيران التى
امسكت بملابسى ..
انا
احترق ، انا اموت .. استطيع ان اشتم رائحة اللحم المحترق
اصرخ
ملئ فمى برعبٍ و انا احاول عبثاً اطفاء النيران و اقول بهيسترية :
"
لا اريد الموت الآن لا اريد الموت الان ارجوكم "
..
الرنين
، لو يتوقف فقط ! اتمنى ان اصاب بالصمم لأنه كلما ارتفع رنين الهاتف انتظر حضورهم
.. ليقوموا بقتلى !
(
بُنى العشاء جاهز )
لم
اتحرك من مكانى على الفراش و انا اغمض عيناى فى محاولة عبثية لإصطناع المرح امام
والدتى ،
ثم
نهضت اخيرًا و قلت :
"
انا قادم امى "
غسلت
وجهى بالمرحاض الملحق بغرفتى الأنيقة و خرجت لأجلس الى الطاولة و انظر لطبق طعامى
بشرودٍ واضح ،
(
ماذا بك ؟ )
نظرت
لها و تنفست بعمق و قلت :
"
لا شئ يا اماه لا شئ "
تناولت
بعض الطعام كى لا اقلقها ، عندما ارتفع رنين الهاتف
(
ابق مكانك ، انا سأجيب يا بُنى )
راقبتها
تنهض و تركت ملعقتى فورًا و انا انظر امامى بصمت ،
لقد
تأخرت فقلت من مكانى :
"
امى هل انتِ بخير ؟ "
لم
تجب فنهضت من مكانى لأرى ما الامر ،
لأجدها
مستلقية على الاريكة و وجهها مدفونٍ بظهرها و ذراعها تتدلى لتمس الارض فقلت :
"
هل غفوتى هكذا مجدداً "
و
اقتربت منها انتوى حملها و ادخالها لغرفتها .
..
ارى
جلد ساعداى يتهدل و يذوب اسفل الحرارة اللافحة ، لا استطيع التنفس ..
انها
النهاية ، انهم يقتلوننى كما قتلوهم !
اشعر
بالدوار .. ها انا ادخل نقطة اللا عودة ،
ها
انا سأموت الآن ،
اسقط
ارضًا على وجهى و استكين تمامًا بينما اخر ما سمعته هو صوت الرنين و اخر مشاهد تمر
بعقلى هى صور لزوجتى و زميل عملى و والدتى و جميعهم وجوههم محروقة .. و موتى !
..
(
قم بتشغيل شاشة العرض من فضلك )
الإضاءة
تخفت و تحتل الشاشة الكبيرة صورة لشابٍ بأواخر العشرينات ، شعر بُنىّ و عينين
عسليتين .. و بنيان معتدل ،
(
اليكم البيانات الضرورية فحسب ..
الإسم
: يخضع لقوانين السريةّ
العُمر
: اوائل التاسع و العشرون
الحالة
الإجتماعية : اعزب
الوظيفة
: متخرج من كلية التجارة و عاطل عن العمل
منذ ان تخرج
محل
الاقامة : منزل متواضع مع والديه
الملف
و كامل التفاصيل الاخرى بداخله اتمنى ان تجدوا حلًا .. و لنجتمع بداية كل اسبوع
لمناقشة هذا الموضوع .. انصراف )
..
الرنين
.. لما لا يتوقف الرنين !
همست
و انا انكمش على نفسى اكثر :
"
انهم يريدون قتلى "




