14‏/8‏/2012

رنـيْن !


انه يرن ، انه لا يتوقف عن الرنين !
انكمش على نفسى و اضم ساقاى الى صدرى و ادفن وجهى بهذا الفراغ الضيق ، احاول رفع ساعداى لأغطى بهما اذناى ،
انه يرن ، لا زال صوت الرنين يصدع بالمكان ،
قلتُ بنبرة مرتجفة :
" ارجوك لا .. لا ارجوك كفى "
يصمت اخيرًا لأتنفس بِعمق ، انفاس مضطربة و نظرات زائغة .. و ضربات قلب تكاد تصم اذناى
و ضوء شاحب من المصباح الهزيل المعلق ، يتدلى من السقف بسلكٍ رفيع ذى لون رمادىّ .. يتأرجح كلما هبَّ القليل من الهواء من النافذة المربعة الصغيرة بأعلى الحائط المقابل للباب ،
اخيرًا استطعت استعادة السيطرة على انتظام انفاسى ، لأنظر للهاتف بتوجس و انأى بنفسى بعيدًا عنه قليلًا ، انكمش على نفسى اكثر و عيناى قد امتلئت بالدموع الخائفة ، و نظرة غير مستقرة لا زالت تعلو وجهى بعد ،
" لن يأتى احد ، لن يأتى احد "
زفرت بقوة و اغمضت عيناى اكثر  ،

..

انظر لزوجتى الحبيبة و هى واقفة امام الموقد الأنيق ، الموقد الذى دفعت به ثروة فقط لأنها رأته عند زوجة اخيها ، لا يهم .. كله من اجلها ، قلت مستنداً برأسى لظهر المقعد :
" انا جائع "
{ انتظر عزيزى اوشك الطعام على ان يجهز }
إبتسمت و انا انتوى مشاكستها ، كم احب مشاكستها حتى اغضبها فتركض خلفى بأنحاء المنزل بأكمله ، و اختبئ انا بركنٍ ما انتظرها ان تمر لأقوم بإعتراض طريقها و ساعدى يصطدم بوسطها لأحملها فى حركة مفائجة ، لتصرخ هى بمرح صاخب .. قطع تخيلاتى الصوت المميز لوضع الاطباق الخزفية على الطاولة ذات السطح الزجاجى ،
نظرت لها و قلت بعبث :
" انا جائع "
جلست هى امامى و لمست شفتيها بإصبعها السبابة
{ ها هو الطعام }
لا زلت اجلس بنفس الوضعية استند بذقنى لظهر المقعد و اقول بنبرة مواربة :
" هل سآكل وحدى ؟ "
تضحك بدلال و تبدء بإطعامى .. زوجتى الحبيبة هذا ما اسعى له من البداية !
..
{ لحظة عزيزى سأجيب الهاتف }
امسك بيدها و اجذبها معى لتجلس الى جوارى على الاريكة و قلت :
" دعيه يرن "
تتملص هى من يدى بنعومة
{ سأجيب }
راقبتها تذهب و عدت اولى اهتمامًا للتلفاز اقلب بقنواته الى ان توقفت عند قناة المصارعة الحرّة ، فجلست و قد اشعلت لفافة تبغى لأشجع مصارعى المفضل دائمًا و ابدًا .. اندر تيكر ..
قلت :
" ايها العزيز ان كنت ببلادك ما كنت ضيعت حضور مبارياتك قط "
و عدت لأنفث الدخان ، انتهت المبارة و شعرت بالملل و اغلقت التلفاز و ناديت عليها
" عزيزتى اين انتِ ؟ "
لا اجابة فإبتسمت بمكرٍ و صعدت الى الغرفة لأجدها كما توقعت مستلقية على الفراش على جانبها الأيمن و شعرها الفاحم يغطى جانب وجهها بنعومة ،
" لقد جـئت "
قلتها بنبرة ذات نهايات مطولة و إبتسامة ماكرة و انا اصعد بركبتىّ على الفراش ،

..

" لااااااااااااااا "
( إهدء من فضلك إهدء )
ادفع من امامى بحدة ، بقوة و انا اصيح بإهتياج
" دعونى ، دعونى اذهب انه يرن ّ انه آت "
صوت رنين الهاتف يكاد يفجر رأسى ، و يوقف قلبى من الفزع و انا اركل من اركل و الكم من الكم ، و اقاوم و اُعمِل اطرافى الأربعة في من امامى  ، من يمنعنى عن الباب
خيط رفيع من الضوء هو ما يعبر من فتحة الباب لأصرخ انا متراجعًا :
" لقد جاؤا انهم يحرقون المكان .. اخرجونى من هنا .. اخرجونى من هنا "
( دعوه و اخرجوا )
اصيح بذعر عارم :
" لا رجاءً لا تفتحوا الباب "
اتمسك بتلابيب ثياب احدهم و اصرخ و الذعر يبلغ منى مبلغه ،
لكنهم يفتحوه رغم كل شئ  ، النيران تأكل كل شئ بالخارج  .. اصرخ و انا اتراجع لألتصق بالحائط و احاول تسلقه و الوصول للنافذة المربعة الصغيرة متشبهًا بفأرٍ مذعُور ،
اخمش الحائط و انا لا اتحرك من مكانى ، النيران تقترب و الرنين يرتفع ،
و صوت استغاثتى يرتفع ولا من مغيث .. سأمُوت انا سأموت كما ماتت زوجتى ، دون ان يشعر احد بهذا
كما ماتت زوجتى و مات آخرون !

..

الرنين ، اغطى اذناي بساعدى و انا اشعر اننى منهك القوى ،
انهم سيأتون من اجلى ، سيأتون من اجلى يا الهى انجدنى منهم  .. ارتجف بمكانى كورقة شجر فى مواجهة عاصفة هوجاء و اغمض عيناى بقوة ،
و كأننى بهذا سأبعدهم عنى ..

( اجب الهاتف )
انظر بتملل لزميلى بالعمل و قلت بإقتضاب :
" لدى عمل كثير اجبه انت "
( لكنك الاقرب ! )
اتجاهله تمامًا و اتابع ما افعله  ،  كنت اعلم انه لن يأتى سوى بتلك الطريقة ،  لقد اجاب الهاتف كما اردت انا تمامًا
ادير الخاتم بإصبعى بشرود ثم اترك عليه قبلة صغيرة و اتنهد بقوة لأتابع ما افعله ،
" يا رجل اتصل لى بمكتب مساعد المدير احتاج المزيد من التوريدات "
لا يجيبنى هل يتبع معى نفس المنهج ! التفت ادير مقعدى لأنظر له و قلت بسخرية :
" وقت النوم هو ؟ "
نهضت من مكانى لأتجه نحوه و هو جالس على مقعد مكتبه و رأسه و وجهه مختفيين بين ساعده و المكتب
نغزته بطرف القلم بيدى بكتفه و قلت :
" العمل لن ينتظرك ! "
قلتها ثم ازحته قليلا فى إجبار على النهوض .

..

" لا النيران .. النيران تحرقنى  .. النجدة "
اتراجع اكثر التصق بالحائط و انا اتمرغ عليه بجسدى فى محاولة لأطفاء تلك النيران التى امسكت بملابسى ..
انا احترق ، انا اموت .. استطيع ان اشتم رائحة اللحم المحترق
اصرخ ملئ فمى برعبٍ و انا احاول عبثاً اطفاء النيران و اقول بهيسترية :
" لا اريد الموت الآن لا اريد الموت الان ارجوكم "

..

الرنين ، لو يتوقف فقط ! اتمنى ان اصاب بالصمم لأنه كلما ارتفع رنين الهاتف انتظر حضورهم .. ليقوموا بقتلى !

( بُنى العشاء جاهز )
لم اتحرك من مكانى على الفراش و انا اغمض عيناى فى محاولة عبثية لإصطناع المرح امام والدتى ،
ثم نهضت اخيرًا و قلت :
" انا قادم امى "
غسلت وجهى بالمرحاض الملحق بغرفتى الأنيقة و خرجت لأجلس الى الطاولة و انظر لطبق طعامى بشرودٍ واضح ،
( ماذا بك ؟ )
نظرت لها و تنفست بعمق و قلت :
" لا شئ يا اماه لا شئ "
تناولت بعض الطعام كى لا اقلقها ، عندما ارتفع رنين الهاتف
( ابق مكانك ، انا سأجيب يا بُنى )
راقبتها تنهض و تركت ملعقتى فورًا و انا انظر امامى بصمت ،
لقد تأخرت فقلت من مكانى :
" امى هل انتِ بخير ؟ "
لم تجب فنهضت من مكانى لأرى ما الامر ،
لأجدها مستلقية على الاريكة و وجهها مدفونٍ بظهرها و ذراعها تتدلى لتمس الارض فقلت :
" هل غفوتى هكذا مجدداً "
و اقتربت منها انتوى حملها و ادخالها لغرفتها .

..

ارى جلد ساعداى يتهدل و يذوب اسفل الحرارة اللافحة ، لا استطيع التنفس ..
انها النهاية ، انهم يقتلوننى كما قتلوهم !
اشعر بالدوار .. ها انا ادخل  نقطة اللا عودة ،
ها انا سأموت  الآن ،
اسقط ارضًا على وجهى و استكين تمامًا بينما اخر ما سمعته هو صوت الرنين و اخر مشاهد تمر بعقلى هى صور لزوجتى و زميل عملى و والدتى و جميعهم وجوههم محروقة .. و موتى !

..

( قم بتشغيل شاشة العرض من فضلك )
الإضاءة تخفت و تحتل الشاشة الكبيرة صورة لشابٍ بأواخر العشرينات ، شعر بُنىّ و عينين عسليتين .. و بنيان معتدل ،
( اليكم البيانات الضرورية فحسب ..
الإسم : يخضع لقوانين السريةّ
العُمر : اوائل التاسع و العشرون
الحالة الإجتماعية : اعزب
الوظيفة : متخرج من كلية التجارة  و عاطل عن العمل منذ ان تخرج
محل الاقامة : منزل متواضع مع والديه
الملف و كامل التفاصيل الاخرى بداخله اتمنى ان تجدوا حلًا .. و لنجتمع بداية كل اسبوع لمناقشة هذا الموضوع .. انصراف )

..

الرنين .. لما لا يتوقف الرنين !
همست و انا انكمش على نفسى اكثر :
" انهم يريدون قتلى "



1‏/12‏/2011

تَركتُكِ



بَلى تَركتُكِ تذهبيْن ..
بِخُفى حَنينْ و دَمع عَينٍ عَلى وجنتَيْكِ يَسيْل .. 
بَلى تَركتُكِ .. و لَم أهتَم .. 
و لَن أهتَم بِحديْث إمْرَأة لَعيْن ..
و لن أغفِر .. 
أكَاذيْبك و خُدعِك .. 
طَوال تِلك السنيْن .. 
بَلى تَركتُك .. و لَن ألقَاكِ ..
و لَن أهتَم لِتوسِل ..
و لَن اضعَف أمَام نَظرَة مِن عَينِيكْ .. 
بَلى تَركتُك .. و أغلَقتُ بَابِى فى وَجهِك ..
بَلى سَأنسَى .. 
سَأنسَى حُبًا خَادعًا ..
كاذبًا .. كريهًا .. مُلفقًا .. 
بَلى تَركتَكِ تَذهبيْن .. 
بِعينينِ دَامعتيْن و صَوتٍ آسِفٍ مُختلجِ عَلى شَفتيكِ ..
لكِنى لَم أعد أهتَم ..
بَلى أغلَقتُ فِى وجهِك كُل بَاب .. 
و كُل جَنَة بِدُنيتكِ سأحليهَا خرَاب .. 
و عَلى كُل خُدعة و كُل كَذبة و كُل خيَانة ..
سأنْزِل عَليكِ بها عِقَاب .. 
فَتَذللِى .. و إبكِى و تَوسلِى ..
و إركعِى و إعتَرفِى بِخطيئة نَفسْك المُلوثَة .. 
و إءتِنِى بِمقهَانا .. 
أذكُرى صَدَى حديثنَا و عَبقْ قَهوانَا ..
و أطلبِى السمَاح و عِندهَا .. 
لَنْ استمِع اليكِ .. و لَن اغفِر لَك ِ .. 
و فَقط .. سَأرشِدك لِمكَان البَاب .

أتذْكريْن !!



مَررتُ امْس بالحديْقَة أتعلمِيْن ! 
أتذْكريْن نُزهَاتنَا هُنَاك ! أمْس ذَكرتُ كلَ شَئ .. 
ذَكرتُ سَيْرنَا هُنَاك ، عَلى العُشب .. الأخضَر تَحتنَا و السَماءَ الزرقَاء فَوقنَا ،
ذَكرتُ ذَلك اليَوم الذِى لَهوتِي بِه مَع مجمُوعة مِن الأطفَال لَعبِت هُنَاك ، رَأيتُ أمْس بِمُخيلتِى سَعادَة عَينيكِ .. 
و ضَحكَتكِ الصَافيّة ، و بَراءَة أفعَالك ..
لَكنْ تَبقِى مُجَرد ذِكريَات ..
و تِلك المَرّة التِى أحْضَرتُ لِك بهَا قَهْوة سَاخِنَة .. أتذْكريْن حديثنَا ؟! 
لأنَنى اذْكُر ، أذْكُر حَتى لِتُتعبنِى الذِكرَى ، حَتى لِتمَزقنِى الذِكرَى .. 
اتْذكريْن رُقعَة الأزهَار ، و تِلكَ الوريْقَات المُلونَة .. ؟ عِطرهَا الفَواح و تَمريْر يَدِك عَليهَا بِنعومَة ، 
إبْتسَامتِك و شرُودكِ بَينمَا تَنظريْن لهَا ! 
أتذْكريْن مِقعدنَا المُفَضلْ ! ذَلِك المِقعد الخَشبىّ الذِى نَقشنَا عَلى ظَهرُه إسمينَا .. 
تسَابقنَا للجلُوسْ عَليْه ، و جلُوسِك القُرفصَاء فَوقُه بَينمَا تَقصيْن لِى أحدَاث يَومِك !
أتْذكريْن حَديثنَا !! 
"سَأحبِك للأبْد و سَأكُون لَك "، ألَم تَكُن كَلمَاتِك ! 
" أعْدَك إنَنى لَن أكْسَر قَلبْك " ، ألَم يَكُن وَعدك ! 
" أحِبَك قَدر إتسَاع السَماء " ، أكَان كُله خُدعَة !
أتذْكريْن ذَلكَ اليَوم الغَائِم .. المُمطِر .. 
ظَلتْ تُمطِر طَوالْ اليَومْ بِغزَارَة ، كُنتِ تُحبِيْن المَطر  .. كُنَا نُحب المَطر 
عَشقنَاه  ، كَما عَشقنَا بعضنَا البَعضْ ، 
يَومهَا لَم أجِد ذَلك البَريْق المَرحْ المُعتَاد بِعينيْك أتذكريْن سُؤالِى لِك .. قَلقِى عَليْكِ ! 
إلحَاحِى بِالسُؤَال و هَلعِى مَن صَمتِك ؟ 
لأنَنى اذْكُر ، أذْكُر حَتى لِتُتعبنِى الذِكرَى ، حَتى لِتمَزقنِى الذِكرَى .. 
أتْذكريْن مَوتنَا ذَلك اليَوم !
مَوت ُ مَا بيننَا .. مُغَادرتكِ ! بِكُل بسَاطة و كَأنكِ آخرَى ..
آخرَى غَيرُ التِى عَلمتهَا ..
غَيْر التِى حدثْتُهَا .. 
التِى أحبْبتهَا .. 
أتْذكريْن .. لأنَنى اذْكُر ، أذْكُر حَتى لِتُتعبنِى الذِكرَى ، حَتى لِتمَزقنِى الذِكرَى .. 
اليَومْ مَررتُ و وَقفتُ أسفَل المَطر وَ وجدتُ كُل شَئ فَارغًا .. 
العُشبْ مَيتًا .. الأزهَار ذَابِلة .. 
و مِقعدنَا .. 
فَارغًا . 

24‏/8‏/2011

.. ما وراء الابواب ..

-1- زائر من المجهول 

:: الفصل الثالث ::


ادور بدوامة لا نهاية لها من الظلام .. يقطعه من حين لآخر صرخة عالية تمزق اذنىّ .. او لمعان لدماء سقط عليها ضوءٍ لا ادرى مصدره ..
فقط اعتدل لاهثًا و يدى على صدرى  تحاول التخفيف من تسارع ضربات قلبى .. لم اعد افهم ما يحدث لى ..
هل جننت !! ارى امواتًا و اسمعهم .. بالتأكيد هناك خطب بى ..
مسحت وجهى و كالمعتاد كلما عجزت عن النوم اتجه لحجرة سارا الصغيرة لأنام الى جوارها .. احميها ام احتمى بها !
لا ادرى بالتحديد لكن فقط و عندما اكون الى جوارها تذهب تلك الكوابيس بغير رجعة ..
و اليوم هو اليوم السادس بعد حدوث مأساة شركة البترول .. و هو اول يوم لى بالعمل الجديد  ،
جلستُ متوترًا بعض الشئ .. انتظر ان يتم إعلامى بإنه تم قبولى من عدمه بتلك الوظيفة .. سكرتير لأحد رجال الأعمال المشهورين بالبلدة ..
اجدنى دون وعى منى اتطلع لتلك اللوحة الأنيقة امامى المعلقة بعناية على حائط ابيض بل ناصع البياض .. اشرد كثيرًا بتفاصيلها تفاصيل وجه تلك المرآة الجميلة .. و الشئ الجالس امامها ..
بجلده المجعد و شعره الذى يغطى معظم ملامح وجهه ..
ثم و كما اعتقد انه إستكمالًا لحالة الجنون التى تجتاحنى خُيل الىّ انهم يتحدثان ..
فنهضت لأتجه نحوهما مُسيرًا بقوة غريبة .. مدفوعًا بشئ غامض لأجدنى بالنهاية واقفًا امام تلك اللوحة ..
{ الا يعلم هذا المعتوه ما ينتظره ! }
{ يبدو لى انه لا يعلم فها هو يحدق بنا بكل بلاهة }
إنفرجت شفتاى ببعض الدهشة .. قبل ان يجذبنى شئ ما بتلك المرأة باللوحة .. انها تشبه سامانثا ..
نظرت تجاهى .. يا الهى انها هى زوجتى سامانثا ..
ينهض ذلك الشئ امامها .. لتظلم اللوحة ويغطيها غشاوة سوداء و عندما انقشعت اجده واقفًا فوق جثتها ..
الدماء تغرقه و تغرقها .. قبل ان يختفى جسدها و يحل اخر محله .. يُلقى بحوض سباحة ظهر توًا ..
{ مستر مايكل هل تسمعنى ؟}
فوجئت بتلك النقرة على كتفى لأنتفض قليلًا .. و التفت لأرى آنسة تخبرنى ان المدير يطلب رؤيتى ..
القيتُ نظرة على اللوحة من جديد لكن عجبًا .. لم تكن بها إمرأة و لم يكن بها شئ .. كانت مجرد لوحة ..
لأزهار نضرة ..
التفت لأتجه نحو المكتب و من حين لآخر ارنو بنظرة تجاه تلك اللوحة ..
لا انكر ان اصطدامى بباب المدير لم يكن اسوء ما حدث اليوم .. لكن كان محرجًا كفاية لتنطلق ضحكات كل من بالمكان ..
دخلت بهدوء بعدما سمح لى المدير بالدخول و جلستُ امامه و لم اكن مرتاحا لنظراته تجاهى ..
فى الواقع اكره ان يحدق احد بى .. اعتقد انه نوع من السكيزوفرينيا .. اعتقدهم دومًا على وشك مهاجمتى ..
{ لقد فحصت الاوراق التى تقدمت بها و اجد انك مناسب للوظيفة }
نظرت له هل يتحدث عنى ام عن من يجلس امامى !!
رجل من اين جاء لا اعلم لكنه كان جالسًا بالمقعد المقابل لى .. و ينظر للمدير بإهتمام ..
هل افقد عقلى امام مديرى الجديد ام اننى اصبت بالعمى المؤقت .. بكل الأحوال لم اتحدث .. انتظر إشارة منه انه كان يحدثنى ..
{ مستر مايكل }
التفت للمدير لأنظر له بنظرة متوترة و قلتُ :
اوه نعم .. انا عذرًا كنت اتأمل خشب المكتب انه من نوعية ممتازة ..
{ مكتبىّ زجاجىّ مستر مايكل .. عامًة كنت اسألك .. هل تتحدث اى لغات اخرى }
عقدت حاجباى ناظرًا له .. ان راجعت بعضًا من كتبى القديمة ربما يكون معى لغتين آخرتين. . و لما لا كنت اتحدثهم بطلاقة قديمًا ..
فقلت بهدوء :
بلى سيدى اتحدث الأسبانية و الإيطالية ..
{ سأضعك تحت فترة إختبار و سنرى بشأن تثبيتك بالعمل }
ايماءة مهذبة و خرجت من المكتب لأجد ذلك الرجل يتبعنى .. حسنًا مما لا شك فيه اننى مصاب بالسكيزوفرينيا ..
وصولًا للمنزل لا زال يتبعنى .. لكنى دخلت و اغلقت الباب بالقفل جيدًا خلفى .. و جلستُ على الاريكة المريحة ..
لما هذا الرجل تقنيًا .. و اى فترة إختبار ان كان هو من ارسل لى بخطاب يدعونى به للعمل معه ..
بتلك اللحظة بالذات بدى الامر محيرًا بالنسبة لى ..
جلست احاول تحليل الموقف و انتبهت مؤخرًا الى الطرقات على الباب ..
ايمكن ان يكون الرجل الذى يلاحقنى ..
لكن ذلك الصوت الطفولىّ المنبعث ..
{ ابـــى هل انت هنا ؟ }
انها سارا .. نهضت مسرعًا لأفتح لها الباب و ادخلها .. لأضعها على ساقىّ بعدما عاودت الجلوس ..
و قلتُ لها :
هيى حبيبتى الصغيرة .. كيف حالك اليوم ؟
اخذت تحرك قدميها و قالت :
بخير .. كل شئ بخير .. لكن ..
راقبتها تخفض نظرها ارضًا فرفعت ذقنها و قلتُ :
ماذا حدث عزيزتى ..
لوت شفتيها الصغيرتين و تمتمت :
لقد تشاجرت مع فانيسا اليوم ..
ربت على يدها و قلتُ بهدوء :
و ماذا فعلت لكِ !!
نظرت لى و امتلأت عينيها بالدموع و قالت بخفوت :
لقد نعتنتنى بالمجنونة التى فقدت والدتها .. و قالت ان الجميع ينفر منى لأننى مخيفة ..
هل انا مخيفة ابى !!
مسحت على رأسها بحنان و قلتُ :
لا عزيزتى انتِ رائعة .. انت ِرائعة الجمال و مهذبة و طيبة انتِ صغيرتى الجميلة .. لا تهتمى لحديث تلك المختلة ..
غدًا سأذهب للمدرسة لأشكوها للمديرة .. و نقابل والديها و نشكو لهم منها ايضًا هل يناسبك هذا ..؟
نهضت من مكانها لتقف امامى و قالت :
ابى فانيسا بالمستشفى .. الم اقل اننا تشاجرنا !
دق ناقوس الخطر بعد تلك الكليمات البسيطة و قلتُ بحذر :
ماذا فعلتِ لها .. ؟
إرتسمت على وجهها إبتسامة طفولية جميلة وقالت بمرح :
دفعتها من النافذة ..
اسقط فى يدى الأمر فنهضت لأصيح بها و قلتُ :
فعلتِ ماذا سارا !!
قبضت على كتفيها و تابعت :
هل جننتى لتفعلى هذا .. بماذا كنتِ تفكرين !!
رمقتنى بنظرة لم اراها مسبقًا الا بعينى سامانثا عندما علمت بخيانتى لها مع اوليفا .. فتراجعت قليلًا  و قلتُ  :
اى مستشفى ؟
زفرت هى بضيق و قالت :
تلك المستشفى الى جوار المدرسة ..
امسكت بيدها و سحبتها معى و قلتُ :
سنذهب لنزورها و ستعتذرى الى والديها وتقولى انكِ لم تقصدى هذا ..
سحبت يدها من يدى وقالت مستنكرة :
هل تريدنى ان اكذب !!
انزلت يدى من على مقبض الباب و قلت ببطئ :
تكذبى ؟!
إبتسمت إبتسامة بدت لى باردة للغاية و قالت  :
بلى .. فأنا قصدت تمامًا دفعها من النافذة .. و لن اذهب لأعتذر لأحد ..
اولتنى ظهرها و اتجهت لتصعد غرفتها بخطى متقافزة .. بينما يتحرك شعرها الذهبىّ الرائع على ظهرها ..
توقفت مكانى قليلًا و تمتمت :
لا هذا كثير .. انا جننت لا محالة ..
فتحت الباب و خرجت لأستقل سيارتى متجهًا لمكان تلك المستشفى ..
طوال الطريق و كل ما افكر به .. طريقة حديث سارا .. بدت سعيدة انها دفعت الفتاة من النافذة !
هذا لا يحدث بالتأكيد هذا لا يحدث ، الآن سأصل للمستشفى و اسأل عن غرفة فانيسا و لن اجد غرفة بإسمها و سأعود المنزل و سأشعر بمياة على وجهى لأجد ان سارا توقظنى كالمعتاد كلما المّ بى كابوس جديد ..
هذا مؤكد ما يحدث ..
اوقفت السيارة بمكانها المخصص و نزلت لأتجه للإستقبال الخاص بالمستشفى و سألت عن غرفة فانيسا لكن الموظفة اخبرتنى ان الغرفة تم إخلائها ..
نعم هذا جيد الآن متأكد ان ما حدث كان جرح طفيف او ما شابه فعاودت السؤال و قلتُ :
هل اصبحت بخير ماذا كانت إصابتها تحديدًا ؟
نظرت لى بضيق و قالت :
لقد ماتت منذ نصف ساعة ، و إصابتها تضمنت صارى العلم مغروسا بظهرها و نافذًا من صدرها نتيجة سقوطها عليه من نافذة بالطابع الخامس هل انت قريبها ؟!
طرفت بعيناى قليلًا .. هذا بالتأكيد كابوس ..
تراجعت للخلف قليلًا .. و خرجت من المستشفى بأسرع ما يمكننى ..
فتحت باب المنزل كالمجنون .. بل انا مجنون بالفعل ارى ذلك الرجل لا زال واقفًا الى جوار المنزل يرمقنى بنظرة ثابتة ..
لكنى لم اكترث اغلقت الباب بالقفل مجددًا وصعدت ركضًا الى غرفة سارا ..
صغيرتى ذات العشرة اعوام .. تقتل !!
توقفت عند باب غرفتها لأجدها مشغولة بتمشيط شعر عرائسها فقلت :
سارا ..
التفت لى مبتسمة و قالت :
انت عدت ابى ..
ركضت نحوى لتحتضن ركبتاى و قالت :
هل ستروى لى قصة جديدة اليوم !!
نظرت لها و قلت بنبرة جامدة :
لقد ماتت فانيسا ..
نظرت لى لثوان بعينان متسعتان ثم دمعت عيناها لتنطلق ببكاء محموم فقلتُ  :
لما تبكى اليس هذا ما اردتِ !!
لم اعلم لما خرج صوتى بهذا الجفاء لكنها نظرت لى و قالت :
لقد انزلقت ابى .. و حاولت مع جينى ان نمسك بها لكنها انزلقت من بين يدنا ..
لقد اخبرتنى الآنسة ماريتا ان كل شئ سيكون على ما يرام ..
لم اكن اعلم انها ستموت ..
بكاء مجددًا و احتضنت ركبتىّ لتدفن وجهها بهما و هو اقصى ما تطوله منى..
فنظرت لها مشوشًا .. تلك قصة مختلفة ..
اغمضت عينى لأحرك رأسى قليلًا بقوة .. ثم حملتها لأضعها بفراشها ..
لتتقلب دافنة وجهها بالوسادة .. دون ان تتحدث حتى الىّ ..
اغلقت المصباح الكبير و اشعلت الصغير لتسبح الغرفة بذلك الضوء الناعس ..
و جلست على المقعد الخاص بمكتبها الصغير .. لأنظر لها ..
و كل ما حدث يبدو و كأنه مُحاط بغشاوة ضبابية تمنعنى من التفكير ..
تمتمت :
لقد فقدت عقلى حتمًا ..
مرت اكثر من ساعة و انا لا افعل سوى الجلوس على ذلك المقعد .. قبل ان التقط هاتفى .. اراسل روى ..
لأحجز موعد .. و اتجه لفراش سارا لأستلقى الى جوارها ..
احتضنها لتلتف يدها حول ذراعى تمامًا كما كانت سامانثا تفعل ..
إبتسمت بلا معنى .. و اسندت ذقنى الى قمة رأسها و شعرها الذهبىّ الرائع..
و متى ذهبت بالنوم ..
لا اعلم .. 

Twitter Update

احصائيات المدونة

 

Blogger

أهلًا وسَهْـلًا