14‏/8‏/2012

رنـيْن !


انه يرن ، انه لا يتوقف عن الرنين !
انكمش على نفسى و اضم ساقاى الى صدرى و ادفن وجهى بهذا الفراغ الضيق ، احاول رفع ساعداى لأغطى بهما اذناى ،
انه يرن ، لا زال صوت الرنين يصدع بالمكان ،
قلتُ بنبرة مرتجفة :
" ارجوك لا .. لا ارجوك كفى "
يصمت اخيرًا لأتنفس بِعمق ، انفاس مضطربة و نظرات زائغة .. و ضربات قلب تكاد تصم اذناى
و ضوء شاحب من المصباح الهزيل المعلق ، يتدلى من السقف بسلكٍ رفيع ذى لون رمادىّ .. يتأرجح كلما هبَّ القليل من الهواء من النافذة المربعة الصغيرة بأعلى الحائط المقابل للباب ،
اخيرًا استطعت استعادة السيطرة على انتظام انفاسى ، لأنظر للهاتف بتوجس و انأى بنفسى بعيدًا عنه قليلًا ، انكمش على نفسى اكثر و عيناى قد امتلئت بالدموع الخائفة ، و نظرة غير مستقرة لا زالت تعلو وجهى بعد ،
" لن يأتى احد ، لن يأتى احد "
زفرت بقوة و اغمضت عيناى اكثر  ،

..

انظر لزوجتى الحبيبة و هى واقفة امام الموقد الأنيق ، الموقد الذى دفعت به ثروة فقط لأنها رأته عند زوجة اخيها ، لا يهم .. كله من اجلها ، قلت مستنداً برأسى لظهر المقعد :
" انا جائع "
{ انتظر عزيزى اوشك الطعام على ان يجهز }
إبتسمت و انا انتوى مشاكستها ، كم احب مشاكستها حتى اغضبها فتركض خلفى بأنحاء المنزل بأكمله ، و اختبئ انا بركنٍ ما انتظرها ان تمر لأقوم بإعتراض طريقها و ساعدى يصطدم بوسطها لأحملها فى حركة مفائجة ، لتصرخ هى بمرح صاخب .. قطع تخيلاتى الصوت المميز لوضع الاطباق الخزفية على الطاولة ذات السطح الزجاجى ،
نظرت لها و قلت بعبث :
" انا جائع "
جلست هى امامى و لمست شفتيها بإصبعها السبابة
{ ها هو الطعام }
لا زلت اجلس بنفس الوضعية استند بذقنى لظهر المقعد و اقول بنبرة مواربة :
" هل سآكل وحدى ؟ "
تضحك بدلال و تبدء بإطعامى .. زوجتى الحبيبة هذا ما اسعى له من البداية !
..
{ لحظة عزيزى سأجيب الهاتف }
امسك بيدها و اجذبها معى لتجلس الى جوارى على الاريكة و قلت :
" دعيه يرن "
تتملص هى من يدى بنعومة
{ سأجيب }
راقبتها تذهب و عدت اولى اهتمامًا للتلفاز اقلب بقنواته الى ان توقفت عند قناة المصارعة الحرّة ، فجلست و قد اشعلت لفافة تبغى لأشجع مصارعى المفضل دائمًا و ابدًا .. اندر تيكر ..
قلت :
" ايها العزيز ان كنت ببلادك ما كنت ضيعت حضور مبارياتك قط "
و عدت لأنفث الدخان ، انتهت المبارة و شعرت بالملل و اغلقت التلفاز و ناديت عليها
" عزيزتى اين انتِ ؟ "
لا اجابة فإبتسمت بمكرٍ و صعدت الى الغرفة لأجدها كما توقعت مستلقية على الفراش على جانبها الأيمن و شعرها الفاحم يغطى جانب وجهها بنعومة ،
" لقد جـئت "
قلتها بنبرة ذات نهايات مطولة و إبتسامة ماكرة و انا اصعد بركبتىّ على الفراش ،

..

" لااااااااااااااا "
( إهدء من فضلك إهدء )
ادفع من امامى بحدة ، بقوة و انا اصيح بإهتياج
" دعونى ، دعونى اذهب انه يرن ّ انه آت "
صوت رنين الهاتف يكاد يفجر رأسى ، و يوقف قلبى من الفزع و انا اركل من اركل و الكم من الكم ، و اقاوم و اُعمِل اطرافى الأربعة في من امامى  ، من يمنعنى عن الباب
خيط رفيع من الضوء هو ما يعبر من فتحة الباب لأصرخ انا متراجعًا :
" لقد جاؤا انهم يحرقون المكان .. اخرجونى من هنا .. اخرجونى من هنا "
( دعوه و اخرجوا )
اصيح بذعر عارم :
" لا رجاءً لا تفتحوا الباب "
اتمسك بتلابيب ثياب احدهم و اصرخ و الذعر يبلغ منى مبلغه ،
لكنهم يفتحوه رغم كل شئ  ، النيران تأكل كل شئ بالخارج  .. اصرخ و انا اتراجع لألتصق بالحائط و احاول تسلقه و الوصول للنافذة المربعة الصغيرة متشبهًا بفأرٍ مذعُور ،
اخمش الحائط و انا لا اتحرك من مكانى ، النيران تقترب و الرنين يرتفع ،
و صوت استغاثتى يرتفع ولا من مغيث .. سأمُوت انا سأموت كما ماتت زوجتى ، دون ان يشعر احد بهذا
كما ماتت زوجتى و مات آخرون !

..

الرنين ، اغطى اذناي بساعدى و انا اشعر اننى منهك القوى ،
انهم سيأتون من اجلى ، سيأتون من اجلى يا الهى انجدنى منهم  .. ارتجف بمكانى كورقة شجر فى مواجهة عاصفة هوجاء و اغمض عيناى بقوة ،
و كأننى بهذا سأبعدهم عنى ..

( اجب الهاتف )
انظر بتملل لزميلى بالعمل و قلت بإقتضاب :
" لدى عمل كثير اجبه انت "
( لكنك الاقرب ! )
اتجاهله تمامًا و اتابع ما افعله  ،  كنت اعلم انه لن يأتى سوى بتلك الطريقة ،  لقد اجاب الهاتف كما اردت انا تمامًا
ادير الخاتم بإصبعى بشرود ثم اترك عليه قبلة صغيرة و اتنهد بقوة لأتابع ما افعله ،
" يا رجل اتصل لى بمكتب مساعد المدير احتاج المزيد من التوريدات "
لا يجيبنى هل يتبع معى نفس المنهج ! التفت ادير مقعدى لأنظر له و قلت بسخرية :
" وقت النوم هو ؟ "
نهضت من مكانى لأتجه نحوه و هو جالس على مقعد مكتبه و رأسه و وجهه مختفيين بين ساعده و المكتب
نغزته بطرف القلم بيدى بكتفه و قلت :
" العمل لن ينتظرك ! "
قلتها ثم ازحته قليلا فى إجبار على النهوض .

..

" لا النيران .. النيران تحرقنى  .. النجدة "
اتراجع اكثر التصق بالحائط و انا اتمرغ عليه بجسدى فى محاولة لأطفاء تلك النيران التى امسكت بملابسى ..
انا احترق ، انا اموت .. استطيع ان اشتم رائحة اللحم المحترق
اصرخ ملئ فمى برعبٍ و انا احاول عبثاً اطفاء النيران و اقول بهيسترية :
" لا اريد الموت الآن لا اريد الموت الان ارجوكم "

..

الرنين ، لو يتوقف فقط ! اتمنى ان اصاب بالصمم لأنه كلما ارتفع رنين الهاتف انتظر حضورهم .. ليقوموا بقتلى !

( بُنى العشاء جاهز )
لم اتحرك من مكانى على الفراش و انا اغمض عيناى فى محاولة عبثية لإصطناع المرح امام والدتى ،
ثم نهضت اخيرًا و قلت :
" انا قادم امى "
غسلت وجهى بالمرحاض الملحق بغرفتى الأنيقة و خرجت لأجلس الى الطاولة و انظر لطبق طعامى بشرودٍ واضح ،
( ماذا بك ؟ )
نظرت لها و تنفست بعمق و قلت :
" لا شئ يا اماه لا شئ "
تناولت بعض الطعام كى لا اقلقها ، عندما ارتفع رنين الهاتف
( ابق مكانك ، انا سأجيب يا بُنى )
راقبتها تنهض و تركت ملعقتى فورًا و انا انظر امامى بصمت ،
لقد تأخرت فقلت من مكانى :
" امى هل انتِ بخير ؟ "
لم تجب فنهضت من مكانى لأرى ما الامر ،
لأجدها مستلقية على الاريكة و وجهها مدفونٍ بظهرها و ذراعها تتدلى لتمس الارض فقلت :
" هل غفوتى هكذا مجدداً "
و اقتربت منها انتوى حملها و ادخالها لغرفتها .

..

ارى جلد ساعداى يتهدل و يذوب اسفل الحرارة اللافحة ، لا استطيع التنفس ..
انها النهاية ، انهم يقتلوننى كما قتلوهم !
اشعر بالدوار .. ها انا ادخل  نقطة اللا عودة ،
ها انا سأموت  الآن ،
اسقط ارضًا على وجهى و استكين تمامًا بينما اخر ما سمعته هو صوت الرنين و اخر مشاهد تمر بعقلى هى صور لزوجتى و زميل عملى و والدتى و جميعهم وجوههم محروقة .. و موتى !

..

( قم بتشغيل شاشة العرض من فضلك )
الإضاءة تخفت و تحتل الشاشة الكبيرة صورة لشابٍ بأواخر العشرينات ، شعر بُنىّ و عينين عسليتين .. و بنيان معتدل ،
( اليكم البيانات الضرورية فحسب ..
الإسم : يخضع لقوانين السريةّ
العُمر : اوائل التاسع و العشرون
الحالة الإجتماعية : اعزب
الوظيفة : متخرج من كلية التجارة  و عاطل عن العمل منذ ان تخرج
محل الاقامة : منزل متواضع مع والديه
الملف و كامل التفاصيل الاخرى بداخله اتمنى ان تجدوا حلًا .. و لنجتمع بداية كل اسبوع لمناقشة هذا الموضوع .. انصراف )

..

الرنين .. لما لا يتوقف الرنين !
همست و انا انكمش على نفسى اكثر :
" انهم يريدون قتلى "



Twitter Update

احصائيات المدونة

 

Blogger

أهلًا وسَهْـلًا